وجاء في صحيح البخاري:
حدثنا عبيد بن إسماعيل قال:
حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة:
أن وليدة كانت سوداء لحي من
العرب، فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم، عليها وشاح أحمر من سيور، قالت:
فوضعته، أو وقع منها، فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه
فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون، حتى فتشوا قبلها، قالت: والله
إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي
اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت
تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسا، إلا قالت:
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا
ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة: فقلت لها: ما
شأنك، لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.
وورد في صحيح مسلم:
سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- تَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي
الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ
الْعَقُورُ".
قَالَ فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ:
أَفَرَأَيْتَ الْحَيَّةَ؟
قَالَ: تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا.
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-
عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
"خَمْسٌ فَوَاسِقُ
يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ،
وَالْفَارَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا".
وورد في صحيح مسلم بشرح
النووي:
فقال الشافعي: المعنى في جواز
قتلهن كونهن مما لا يؤكل وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول وغيره، فقتله جائز
للمحرم ولا فدية عليه.
وقال مالك: المعنى فيهن كونهن
مؤذيات فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله وما لا فلا، واختلف العلماء في المراد بالكلب
العقور فقيل: هو الكلب المعروف.
وقيل: كل ما يفترس، لأن كل مفترس
من السباع يسمى كلباً عقوراً في اللغة.
وأما تسمية هذه المذكورات فواسق،
فصحيحة جارية على وفق اللغة، وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمي الرجل الفاسق:
لخروجه عن أمر الله تعالى وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن
طريق معظم الدواب.
وقيل: لخروجها عن حكم الحيوان في
تحريم قتله في الحرم والإحرام.
وقيل فيها لأقوال أخر ضعيفة لا
نعتنيها.
وأما (الْغُرَابُ الأَبْقَعُ):
فهو الذي في ظهره وبطنه بياض.
وحكى الساجي عن النخعي أنه لا
يجوز للمحرم قتل الفارة، وحكى غيره عن علي ومجاهد أنه لا يقتل الغراب ولكن يرمى
وليس بصحيح عن علي.
واتفق العلماء على جواز قتل
الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم.
واختلفوا في المراد به فقيل: هذا
الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به
الذئب.
وحمل زفر معنى الكلب على الذئب
وحده.
وقال جمهور العلماء: ليس المراد
بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف بل المراد: هو كل عاد مفترس غالباً كالسبع
والنمر والذئب والفهد ونحوها، وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثوري وابن عيينة
والشافعي وأحمد وغيرهم، وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء.
ومعنى (الْعَقُورُ) والعاقر:
الجارح.
وأما (الْحِدَأَةُ): فمعروفة وهي
بكسر الحاء مهموزة وجمعها حدأ بكسر الحاء مقصور مهموز كعنبة وعنب.
وفي الرواية الأخرى: (الحُديَّا)
بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء مقصور.
قال القاضي: قال ثابت الوجه فيه
الهمز على معنى التذكير وإلا فحقيقته حدية، وكذا قيده الأصيلي في (صحيح البخاري) في
موضع أو الحدية على التسهيل والإدغام.
وقوله في الحية: (تُقْتَلُ
بِصُغْرٍ لَهَا) هو بضم الصاد أي: بمذلة وإهانة.
قوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ) هو بتنوين خمس، وقوله: (بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ)
بإضافة خمس لا بتنوينه.
قوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- في رواية زهير: (خَمْسٌ لاَ جُناحَ عَلَىَ مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي
الْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ) اختلفوا في ضبط (الْحَرَم) هنا فضبطه جماعة من المحققين
بفتح الحاء والراء، أي: الحرم المشهور، وهو حرم مكة.
والثاني: بضم الحاء والراء، ولم
يذكر القاضي عياض في (المشارق) غيره، قال: وهو جمع حرام كما قال الله تعالى:
{وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1 و 95] قال: والمراد به المواضع المحرمة والفتح
أظهر، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعي
وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص أو رجم بالزنا أو
قتل في المحاربة وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة كل الحدود فيه سواء كان موجب القتل
والحد جرى في الحرم أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهذا مذهب مالك والشافعي
وآخرين.
وقال أبو حنيفة وطائفة: ما
ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجه ثم لجأ إليه إن كان إتلاف
نفس لم يقم عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى
الخروج منه فيقام عليه خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه.
قال القاضي: وروي عن ابن عباس
وعطاء والشعبي والحكم ونحوه لكنهم لم يفرقوا بين النفس ودونها وحجتهم ظاهر قوله
الله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] وحجتنا عليهم هذه
الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق، بل فسقه أفحش لكونه
مكلفاً.
ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى
لصاحبه أمان فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية.
قال القاضي: ومعنى الآية عندنا
وعند أكثر المفسرين أنه إخبار عما كان قبل الإسلام وعطفه على ما قبله من الآيات.
وقيل: آمن من النار.
وقالت طائفة: يخرج ويقام
عليه الحد وهو قول ابن الزبير والحسن ومجاهد وحماد، والله أعلم
وجاء في فتح الباري شرح
صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (مع بعض الحذف):
باب ما يقتل المحرم من
الدواب:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ
شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ
كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ
وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.
الشرح:
قوله: (من الدواب) بتشديد
الموحدة، جمع دابة وهو ما دب من الحيوان.
وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله
تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) الآية، وهذا الحديث يرد عليه،
فإنه ذكر في الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله
تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) ؛ وقوله تعالى (وكأين من دابة لا
تحمل رزقها) الآية، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق " وخلق الدواب
يوم الخميس " ولم يفرد الطير بذكر.
وقد تصرف أهل العرف في الدابة،
فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف.
قوله: (كلهن فاسق يقتلن) قيل
فاسق صفة لكل، وفي يقتلن ضمير راجع إلى معنى كل.
ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه
" كلها فواسق".
قال النووي وغيره: تسمية هذه
الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية في وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت
الرطبة إذا خرجت عن قشرها.
قوله: (الغراب) زاد في رواية
سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم " الأبقع " وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ
بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح
باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد.
وقد اتفق العلماء على إخراج
الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا
بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع.
ومنها الغداف على الصحيح في "
الروضة " بخلاف تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل
اللغة أنه الأبقع، قيل سمي غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف
خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به
فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثا قالوا: آذن بخير، فأبطل
الإسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا
خيرك ولا إله غيرك.
وقال صاحب الهداية: المراد
بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع قلا.
وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن
فيه خلافا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود إن صح حيث قال فيه "
ويرمي الغراب ولا يقتله " وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن علي ومجاهد، قال ابن
المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء قال
في محرم كسر قرن غراب فقال: إن أدماه فعليه الجزاء وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء
على هذا، انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده غراب
الزرع.
وعند المالكية اختلاف آخر في
الغراب والحدأة هل يتقيد.
جواز قتلهما بأن يبتدئا بالأذى،
وهل يختص ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاس - لا فرق وفاقا للجمهور ومن
أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله
ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع.
ومنها العقعق وهو قدر الحمامة
على شكل الغراب، قيل سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا ظهر أنه نوع
من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضا.
ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي:
من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب
الزرع.
وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا
فلا بأس به.
قوله: (والحدأ) بكسر أوله وفتح
ثانيه بعدها همزة بغير مد، وحكى صاحب " المحكم " المد فيه ندورا، ووقع في رواية
الكشميهني في حديث عائشة " الحدأة " بزيادة هاء بلفظ الواحدة وليست للتأنيث بل هي
كالهاء في التمرة، وحكى الأزهري فيها " حدوة " بواو بدل الهمزة، وسيأتي في بدء
الخلق من حديثها بلفظ " الحديا " بضم أوله وتشديد التحتانية مقصور، ومثله لمسلم في
رواية هشام بن عروة عن أبيه قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهل ثم
أدغم، وقيل هي لغة حجازية، وغيرهم يقول " حدية " وقد تقدم ذكرها في الكلام على
الغراب.
ومن خواص الحدأة أنها تقف في
الطيران، ويقال إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين، وقد مضى لها ذكر في الصلاة قصة
صاحبة الوشاح.
قوله (والعقرب) هذا اللفظ للذكر
والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة
القوائم.
قال صاحب " المحكم " ويقال إن
عينها في ظهرها وإنها لا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك.
ويقال لدغته العقرب بالغين
المعجمة ولسعته بالمهملتين.
وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر
الحية بدلها في حديث الباب ومن جمعهما، والذي يظهر لي أنه صلى الله عليه وسلم نبه
بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار وبين حكمهما معا حيث جمع.
قال ابن المنذر: لا نعلمهم
اختلفوا في جواز قتل العقرب.
وقال نافع لما قيل له: فالحية؟
قال: لا يختلف فيها وفي رواية: ومن يشك فيها؟ وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن
أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا
العقرب.
قال: ومن حجتهما أنهما من هوام
الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم
عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى.
قوله: (والفأر) بهمزة ساكنة
ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم
النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه ابن المنذر.
وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول
جميع أهل العلم.
ونقل ابن شاس عن المالكية خلافا
في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى.
والفأر أنواع، منها الجرذ بالجيم
بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط،
وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وسيأتي في الأدب إطلاق الفويسقة عليها من
حديث جابر، وتقدم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد.
وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت
حبال سفينة نوح، والله أعلم.
قوله: (والكلب العقور) الكلب
معروف والأنثى كلبة والجمع أكلب وكلاب وكليب بالفتح، كأعبد وعباد وعبيد.
وفي الكلب بهيمية سبعية كأنه
مركب.
وفيه منافع للحراسة والصيد كما
سيأتي في بابه.
وفيه من اقتفاء الأثر وشم
الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره.
وقيل إن أول من اتخذه للحراسة
نوح عليه السلام وقد سبق البحث في نجاسته في كتاب الطهارة ويأتي في بدء الخلق جملة
من خصاله.
واختلف العلماء في المراد به
هنا، وهل لوصفه بكونه عقورا مفهوم أو لا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي
هريرة قال: الكلب العقور الأسد.
وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم
سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب
العقور هنا الذئب خاصة.
وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر
الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور.
وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو
قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب
هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب.
واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله
صلى الله عليه وسلم "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فقتله الأسد.
وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من
طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، واحتج بقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح
مكلبين) فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح عقور.
واحتج الطحاوي للحنفية بأن
العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر وهما من سباع الطير فدل ذلك على اختصاص
التحريم بالغراب والحدأة، وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه في صفته وهو الذئب.
وتعقب برد الاتفاق، فإن مخالفيهم
أجازوا قتل كل ما عدا وافترس، فيدحل فيه الصقر وغيره، بل معظمهم قال: يلتحق بالخمس
كل ما نهى عن أكله إلا ما نهي عن قتله.
واختلف العلماء في غير العقور
مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، ووقع في
" الأم " للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من " شرح المهذب ": لا
خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله.
وقال في التيمم والغصب: إنه غير
محترم.
وقال في الحج: يكره قتله كراهة
تنزيه.
وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة
قتله اقتصر الرافعي وتبعه في " الروضة " وزاد: أنها كراهة تنزيه، والله أعلم.
وذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق
غير الخمس بها في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في المعنى فقيل: لكونها مؤذية فيجوز
قتل كل مؤذ، وهذا قضية مذهب مالك.
وقيل: لكونها مما لا يؤكل، فعلى
هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي.
وقد قسم هو وأصحابه الحيوان
بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب كالخمس وما في معناها مما يؤذي، وقسم
يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضرر فيباح لما فيه من
منفعة الاصطياد ولا يكره لما فيه من العدوان، وقسم ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره قتله
ولا يحرم.
والقسم الثالث ما أبيح أكله أو
نهى عن قتله فلا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المحرم.
وخالف الحنفية فاقتصروا على
الخمس إلا أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية،
وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها، وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو
الأذى الطبيعي والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدي الحكم إلى كل
ما وجد فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه في مسائل الربا.
قال ابن دقيق العيد: والتعدية
بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوي بالإضافة إلى تصرف أهل القياس، فإنه ظاهر من جهة
الإيماء بالتعليل بالفسق وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال
لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق.
انتهى.
وقال غيره: هو راجع إلى تفسير
الفسق، فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل
وتحريم الأكل علل به.
وقال من علل بالأذى: أنواع الأذى
مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم
كالحية والزنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن عرس،
وبالغراب والحدأ على ما يشاركهما بالاختطاف كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه
في الأذى بالعدوان والعقر كالأسد والفهد.
وقال: من علل بتحريم الأكل وجواز
القتل إنما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم أذاها، والتخصيص بالغلبة
لا مفهوم له.
(تكملة) : نقل الرافعي عن الإمام
أن هذه الفواسق لا ملك فيها لأحد ولا اختصاص، ولا يجب ردها على صاحبها، ولم يذكر
مثل ذلك في غير الخمس مما يلتحق بها في المعنى، فليتأمل.
واستدل به على جواز قتل من لجأ
إلى الحرم ممن وجب عليه القتل لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق والقاتل فاسق
فيقتل بل هو أولى، لأن فسق المذكورات طبيعي، والمكلفة إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة
نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه.
وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه
بحث قابل للنزاع، وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.